الصليب

الانتصار باسم الدين عندنا بدعة لأن المسيحي ينتصر إذا ضربوه ظلماً ولا ينتصر مرة إذا ضرب. وإذا سعى إلى الحرية فليس حصرًا لكي يحرر نفسه ولكن لكي يحرر ظالمه أيضاً. هو لا يحرر نفسه من ضاربيه الا ليحررهم هم من ضربهم. هو لا يفتش عن ان يكون مصلوبا. السعي إلى الألم ليس من ديانتنا. التحرر من الألم هو من صلب ديانتنا. يخطئ من قال إننا نرحب بالأوجاع. نرحب فقط بالصبر عليها. لذلك كثيرة عندنا الصلاة من أجل المريض. لا نشكر الله لكونه سمح بالمرض، نشكر إذا عفا عنه. لسنا نحن الذين قلنا إن المسيحية دين المرضى والمجانين والمكسورين. هذه تهمة من نيتشه. نحن دين الصحة بما ان ديننا أساساً دين القيامة.

ليس عليك ان تسعى إلى الأوجاع. هي تسعى إليك، ودليل ذلك ان المسيحيين هم أول من أسس المستشفيات وقد جعلت الكنيسة الصلاة من أجل المريض ركنا من أركان العبادة وله ليلة خاصة في الأسبوع العظيم المقدس، والواضح في الإنجيل ان من المهمات الرئيسة ليسوع الناصري انه يشفي المرضى. وإذا أردت التعريف الواقعي عن الناصري تقول إنه معلم وشافي مرضى، والتركيز العظيم على الصليب عندنا ليس انه مكان الأوجاع الا لأن الشفاء يبدأ بها. أخطأ كل من علّم اننا نستلذ الأوجاع. تعليمنا الحقيقي ان ملذتنا هي بالتحرر من الأوجاع.
لما كنت صبياً كنت أكره وضع النساء الصليب مكشوفاً على صدورهن. لماذا هذا التظاهر والصليب علامة خفاء المسيح؟ هذا التساؤل ما كان سهلاً عليّ وأنا ابن صائغ أي إنسان يعيش من بيع الحلى للنساء، للشريفات منهن، وللكاشفات عهرهن. المرأة تلازم الذهب إذًا في طفولتي. وبعد طفولتي فهمت ان المرأة هي التي تظهر وان الحلى ثانوية عند الرجال.
ماذا يعني الصليب سوى ان المرء يجب ان يموت قبل ان يحيا؟ لماذا كان هذا التركيز في المسيحية الغربية على الصليب وما كان علـى القيامة؟ هذا هو واقع المسيحيين في الغرب وما قلت إنه تفكير كنيستهم. أعرف كل المعرفة أن ليس في المسيحية الغربية إغفال عن القيامة. ولكن الذي يسود شعبيا هو اهتمام المسيحي الغربي بمقهورية السيد مع ان هذا غائب عن العقيدة والعبادات. ربما أتى هذا من استلذاذ الإنسان ألمه ظناً منه انه إشفاق من الله عليه. لا مأخذ اطلاقًا عندي على العبادات الكاثوليكية في هذا الباب. كلها صافية. مأخذي على الجماهير التي تحب الألم. ربما أحس الكثيرون انهم يكتسبون تقوى بتوجعهم.
طبعاً نحن لا نفتش عن ان نوجع أنفسنا. هذا استلذاذ مرضي ولكن لا بد من التذكير ان الألم قائم وانك لا تستطيع الهروب منه. لا تأتي به ان لم يوجد. أعرف انه دائماً داخل إلى كيانك وساكن فيه. لا فرق إطلاقاً بين الكنائس المسيحية في موضع الألم. ليس من كنيسة تحبه وان استلذ بعض آلامه اعتقاداً منه انها تقربه بالضرورة من المسيح. صح ان تقول على دين الصليب يكون موتي إن سعيت بهذا الموت إلى القيامة.

المطران جورج خضر جريدة النهار  02/04/2016

Advertisements

About danyelobeid

I have a PhD in agriculture. I am interested mostly in bees, beekeeping practices and environmental issues.
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s